سيد محمد طنطاوي
341
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وكرر - سبحانه - لفظ * ( لَا ) * أكثر من مرة ، لتأكيد نفى الاستواء ، بأية صورة من الصور . وقوله : * ( وما يَسْتَوِي الأَحْياءُ ولَا الأَمْواتُ ) * تمثيل آخر للمؤمنين الذين استجابوا للحق ، وللكافرين الذين أصروا على باطلهم . أو هو تمثيل للعلماء والجهلاء قال الإمام ابن كثير : يقول - تعالى - كما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة ، كالأعمى والبصير لا يستويان ، بل بينهما فرق وبون كثير ، وكما لا تستوي الظلمات ولا النور ، ولا الظل ولا الحرور ، كذلك لا يستوي الأحياء ولا الأموات . وهذا مثل ضربه اللَّه للمؤمنين الأحياء ، وللكافرين وهم الأموات ، كقوله - تعالى - : أَومَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناه وجَعَلْنا لَه نُوراً يَمْشِي بِه فِي النَّاسِ ، كَمَنْ مَثَلُه فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها . . . وقال - تعالى - : مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمى والأَصَمِّ والْبَصِيرِ والسَّمِيعِ ، هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا فالمؤمن سميع بصير في نور يمشى . . والكافر أعمى أصم ، في ظلمات يمشى ، ولا خروج له منها ، حتى يفضى به ذلك إلى الحرور والسموم والحميم . . » « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( إِنَّ اللَّه يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ) * بيان لنفاذ قدرة اللَّه - تعالى - ، ومشيئته . أي : إن اللَّه - تعالى - يسمع من يشاء أن يسمعه ، ويجعله مدركا للحق ، ومستجيبا له أما أنت - أيها الرسول الكريم - فليس في استطاعتك أن تسمع هؤلاء الكافرين المصرين على كفرهم وباطلهم ، والذين هم أشبه ما يكونون بالموتى في فقدان الحس ، وفي عدم السماع لما تدعوهم إليه . فالجملة الكريمة تسلية للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عما أصابه من هؤلاء الجاحدين . ثم حدد اللَّه - تعالى - لنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وظيفته فقال : * ( إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ ) * . أي : ما أنت - أيها الرسول الكريم - إلا منذر للناس من حلول عذاب اللَّه - تعالى - بهم ، إذا ما استمروا على كفرهم ، أما الهداية والضلال فهما بيد اللَّه - تعالى - وحده . * ( إِنَّا أَرْسَلْناكَ ) * - أيها الرسول الكريم - إرسالا ملتبسا * ( بِالْحَقِّ ) * الذي لا يحوم حوله الباطل * ( بَشِيراً ونَذِيراً ) * أي : أرسلناك بالحق مبشرا المؤمنين بحسن الثواب ، ومنذرا الكافرين بأشد ألوان العقاب . * ( وإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ) * أي : وما من أمة من الأمم الماضية ، إلا وجاءها
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 529 .